الحكم العقليُّ: هو إثبات أمرٍ لأمرٍ، أو نفيُه عنه، بواسطة العقل -فقط- دون الحاجة إلى مشاهدة وتكرار.
_ (مثال) كنتَ جالساً مع صديقٍ لك في البيت، فسألك صديقك، وقال: افترض أنه عندي خزان ماءٍ يسع 10 ليتراتٍ من الماء وأردتُّ أن أملأه بـ 20 ليترًا. هل يمكن هذا؟ فأنت أجبت مباشرةً: لا، هذا لا يمكن، فيقول لك صديقك: وكيف تعرف هذا وأنت لم تجرِّب أن تعبِّئه!، ولم تشاهد جوازه من عدم جوازه؟ لمَ لا يجوز ذلك!؟ أصلًا أنت لم تشاهد حصول هذا الأمر، فحكمت دون تجربةٍ بأنَّه لا يمكن، فكيف حكمت بالاستحالة دون تجربةٍ؟ فأنت تقول: حكمتُ على هذا الأمر بأنَّه لا يمكن، وقلت: لا يمكن أن يسع خزَّان بسعة عشر ليتراتٍ عشرين ليترًا من الماء، لأنَّ هذا حكمٌ عقليٌّ، والحكم العقليُّ لا يحتاج إلى مشاهدة وتكرار، وسأبيِّن لك كيف.
– انظر يا صديقي؛ سأسألك سؤالًا: هل يدخل الكبير في الصّغير؟ فيقول: لا، الكبير لا يدخل في الصّغير، بل الصّغير يدخل في الكبير، فأنت تسأله: هل احتجت إلى تجربةٍ وتكرار لمعرفة هذا الحكم؟ فيقول: لا، لم أحتج، وإنمَّا الأمر ضروريٌّ في العقل، ولا أحتاج إلى تجربةٍ هنا، فأنت تقول: نعم، وفي سؤالك الأمر نفسه، إذ العشرون ليترًا كبيرٌ، والخزَّان صغيرٌ، والكبير لا يدخل في الصَّغير، فأنا -هنا- حكمت مباشرةً؛ لأنَّ الأمر مبنيٌ على العقل، ولم أحتج إلى تجربةٍ ومشاهدة.
_ لو كنت تمشي في الطريق فرأيت صديقًا لك قد جُرحت يده وهو ينزف، فانطلقت مباشرةً إليه وسألته: ما بك يا أخي، من الذي فعل بك هذا ما الَّذي أصابك؟ فيقول لك على الفور: كيف عرفت بأنَّ هناك من فعل هذا دون أن تسألني؟ هل تعلم بالغيب؟ فتقول له: الأمر بسيطٌ يا أخي، فأنت في الأصل يدك سليمةٌ، ثمَّ جُرحت، إذن لابدَّ من فاعلٍ يفعل هذا الفعل، لأنَّه لكلِّ حدثٍ فاعلٌ، وهذا أمرٌ عقليٌّ، لا أحتاج فيه إلى مشاهدة أو تكرارٍ أو سؤالٍ لأعرفه.

– لاحظ في المثالين السَّابقين أنَّك في حكمك على الأشياء، لم تحتجْ إلى تجربةٍ وتكرار، بل كلُّ ما احتجت إليه كان مجرَّد استخدامٍ لعقلك وقوانينه، أمَّا في الأحكام العاديَّة فعقلك كان يقول لك: النار محرقةٌ أمرٌ ممكن، والنَّار غير محرقةٍ أمرٌ ممكن. وإنَّما حكمنا عليها بالإحراق بسبب المشاهدة، أمَّا في مثال الخزّان لم نحتج إلَّا لشيءٍ واحد هو استخدام العقل دون التَّكرار والمشاهدة، وعندنا أمثلةٌ أخرى مثل:

1- (1+1يساوي 2). 2- (الجزء أصغر من الكلُّ). 3- (الكلُّ لا يكون أصغر من الجزء).

4_ (المثلث دائمًا ذو ثلاثة أضلاع). 5_ (الكبير يجوز أن يحتوي الصغير). 6_ (الصغير لا يمكن أن يحتوي الكبير). 7_ (الشيء لا يكون طويلًا وقصيرًا في الوقت نفسه). 8_ (الجسم لا يكون متحركًا وساكنًا في اللَّحظة نفسها). 9_ (كلُّ ضربةٍ لها ضاربٌ).
بقلم: (الشّيخ نجدت حاج علي) من كتابه :مقدمات تأسيسية في علم الكلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

نشر التعليق