نعم، وأقبلت العشر الأواخرمن رمضان، تجدّد للمسلم صلته بالرحمن، وتنهض همته لينال فيها القبول والغفران، فبعد أن مضى من الشهر العظيم أوَّلُه، ولحق به وَسَطُه، ها نحن على مشارف آخره، وآخرُه هو خيرُهُ، والعبرة بخواتيم الأعمال، وليس بالتقصير في البدايات، يقول ابن الجوزي: (إن الخيل إذا شارفت نهاية المضمار بذلت قصارى جهدها لتفوز بالسباق.. فلا تكن الخيل أفطن منك ! فإنما الأعمال بالخواتيم.. فإنك إذا لم تحسن الاستقبال لعلك تحسن الوداع .
وها قد حلت العشر الأواخر فبادر ثُم بادر ثُم بادر
وإن قصرت في ثلثيه فانهض وقُم واستعن وشُد لها المآزر
ففِيها لَيلة يا صاحِ خير لنا من ألف شهر في الشعائر
وفيها ثم فيها ثم فيها لنا ما لَا يعد من البشائر
فيا سعد الذي قام احتساباً وإيماناً بِأنّ الله غَافر.
فإذا كان هذا زمان من خير أزمنة القرب، وخير وقت لتجديد الحب، بين العبد والرب، فأي حال أردت أن تعيش زمانها، وأي سلوك عزمت أن تتحلى به وقد أقبلت إليك أنوارها.
– أما جمال هذه الأيام، وجلال أيام العشر الأواخر من شهر الصيام، فقد بينها النبي صلى الله عليه وسلم للأمة كل الأمة بفعله وسلوكه،
فقد أخرج البخارى ومسلم في صحيحيهما، عن عائشة رضي الله عنها قالت: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شدّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله)، وفي رواية لمسلم ، عنها رضي الله عنها قالت : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر مالا يجتهد في غيره)، فما هي الأعمال التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يخصّ بها العشر الأواخر من رمضان ، والتي لا يعملها في بقية الشهر :
– الجواب : خمسة أعمال، خصها النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأيام العشر :
أولاً:إحياء الليل كله : فقد روي من حديث عائشة رضي الله عنها من وجه فيه ضعف ، ويؤخذ به مع بقية الأحاديث الواردة في الباب، قالت : (وأحيا الليل كله)، وفي المسند من وجه آخر عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يخلط العشرين بصلاة ونوم، فإذا كان العشر ـ يعني الأخير ـ شمر وشد المئزر)، و عن أنس رضي الله عنه قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا شهد رمضان قام ونام، فإذا كان أربعاً وعشرين، لم يذق غمضا). هذا أولاً
ثانياً: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوقظ أهله للصلاة في ليالي العشر دون غيره من الليالي، في حديث أبي ذر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قام بهم ليلة ثلاث وعشرين ، وخمس وعشرين ، ذكر أنه دعا أهله ونساءه ليلة سبع وعشرين خاصة، وهذا يدل على أنه يتأكد إيقاظهم في الأوتار التي ترجى فيها ليلة القدر، وخرج الطبراني من حديث علي رضي الله عنه قال : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يوقظ أهله في العشر الأواخر من رمضان ، وكل صغير وكبير يطيق الصلاة) . بل ( كان النبي صلى الله عليه يطرق فاطمة وعليا ليلاً، فيقول لهما: ألا تقومان فتصليان، وكان يوقظ عائشة بالليل إذا قضى تهجده وأراد أن يوتر) وورد الترغيب في إيقاظ أحد الزوجين صاحبه للصلاة، ونضح الماء في وجهه ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( رحِمَ اللَّهُ رجلًا قامَ منَ اللَّيلِ فصلَّى، وأيقَظَ امرأتَهُ، فإن أبَت، نَضحَ في وَجهِها الماءَ، ورحمَ اللَّهُ امرأةً قامَت منَ اللَّيلِ فَصلَّت، وأيقَظَت زوجَها، فإِن أبى، نَضَحَت في وَجهِهِ الماءَ .
ثالثاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشد المئزر:
واختلفوا في تفسيره فمنهم من قال: هو كناية عن شدة جده واجتهاده في العبادة، كما يقال فلان يشد وسطه ويسعى في كذا وهذا فيه نظر فإنها قالت: جد وشد المئزر فعطفت شد المئزر على جده.، والصحيح: أن المراد: اعتزاله النساء، وبذلك فسره كثير من الفقهاء، منهم: سفيان الثوري.
وقد ورد ذلك صريحا من حديث عائشة وأنس، وورد تفسيره بأنه لم يأو إلى فراشه حتى ينسلخ رمضان، وفي حديث أنس (وطوى فراشه واعتزل النساء) وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم غالبا يعتكف العشر الأواخر.
والمعتكف ممنوع من قربان النساء بالنص والإجماع، وقد قالت طائفة من السلف في تفسير قوله تعالى: (فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم) إنه طلب ليلة القدر.

قال الإمام ابن رجب رحمه الله:
والمعنى في ذلك: أن الله تعالى لما أباح مباشرة النساء في ليالي الصيام إلى أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود أمر مع ذلك بطلب ليلة القدر، لئلا يشتغل المسلمون في طول ليالي الشهر بالاستمتاع المباح فيفوتهم طلب ليلة القدر، فأمر مع ذلك بطلب ليلة القدر بالتهجد من الليل، خصوصا في الليالي المرجو فيها ليلة القدر، فمن ههنا كان النبي صلى الله عليه وسلم يصيب من أهله في العشرين من رمضان ثم يعتزل نساءه، ويتفرغ لطلب ليلة القدر في العشر الأواخر.

 

رابعاً: تأخيره للفطور إلى السحر:
وروي عنه من حديث عائشة وأنس: (أنه صلى الله عليه وسلم كان في ليالي العشر يجعل عشاءه سحورا) .
خامساً: اغتساله بين العشاءين:
روي من حديث علي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بين العشاءين كل ليلة يعني من العشر الأواخر) وفي إسناده ضعف.
قال ابن جرير: كانوا يستحبون أن يغتسلوا كل ليلة من ليالي العشر الأواخر، ومنهم من كان يغتسل ويتطيب في الليالي التي تكون أرجى لليلة القدر، وكان لسيدنا تميم الداري رضي الله عنه حلةٌ اشتراها بألف درهم، وكان يلبسها في الليلة التي ترجى فيها ليلة القدر.
قال الإمام ابن رجب رحمه الله:
فتبين بهذا أنه يستحب في الليالي التي ترجى فيها ليلة القدر التنظف والتزين والتطيب بالغسل والطيب واللباس الحسن، كما يشرع ذلك في الجمع والأعياد، وكذلك يشرع أخذ الزينة بالثياب في سائر الصلوات، كما قال تعالى: ( يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ) ([9]).وقال ابن عمر: الله أحق أن يتزين له).
فلتكن اللّيالي العشر ضمن برنامج متكامل تعدُّه أخي المسلم، وفَّقنا الله وإيّاك لذلك، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

نشر التعليق