الجواب: نعم، ثبت عن الصّحابة إخراجهم القيمة في زكاة الفطر” .
فقد ذكر ابن عبد البر في كتابه الاستذكار 3/154 نصاً يدل على دفع الصحابة للقيمة، كما أنه يدل على العمل بالعرف الشائع فقال ” لا نعلم في القمح خبراً ثابتاً عن النبي – صلى الله عليه وسلم – يعتمد عليه ، ولم يكن البر بالمدينة ذلك الوقت إلا الشيء اليسير منه ، فلما كثر في زمن الصحابة رأوا أن نصف صاعٍ منه يقوم مقام صاع من شعير وهم الأئمة “. انتهى
تأمل – رحمك الله – في قول ابن عبد البر ” ولم يكن البر بالمدينة ذلك الوقت إلا الشيء اليسير منه ، فلما كثر في زمن الصحابة رأوا أن نصف صاعٍ منه يقوم مقام صاع من شعير وهم الأئمة ..”.
فهذا يُستفاد منه أمران :
الأول : إخراج زكاة الفطر بما هو شائع ومتوفر بكثرة، وهو مفهوم قوله ” فلما كثُر – أي القمح- في زمن الصحابة ..الخ “.
الثاني : دل النقل عن الصحابة على دفع قيمة الصاع، فإن جاز دفع قيمة الصاع مما هو شاع بكثرة ولم يكن على عهد النبي، جاز إخراج قيمة الصاع مما هو متوفر وشائع بين الناس .
والظاهر من فعل الصحابة النظر إلى علل الأحكام، فالذي يبدو من نص النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الأصناف المتوفرة في المجتمع، ويمكن أن يتملكها أغلب الناس ..
فلو كان المقصد هو التعبد فقط، لأخرج الصحابة ما هو منصوص عليه في حديث النبي صلى الله عليه وسلم فقط .
– وقد_نص_على_جواز_إخراج_قيمة_الصاع_من_القمح_جمع_من_الصحابة_والتابعين، منهم : أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان ، وأسماء بنت أبي بكر ، وعبد الله بن مسعود ، ومعاوية بن أبي سفيان ، والحكم ، وحماد ، وعبد الرحمان بن القاسم ، وسعد بن إبراهيم ، وعطاء ، ومجاهد ، وعروة بن الزبير ، وسعيد بن جبير ، وطاووس ، وعمر بن عبد العزيز ، وأبي سلمة بن عبد الرحمان ، وعبد الله ابن شداد ، وسعيد بن المسيب ، وغيرهم.
وهو إحدى الروايتين عن : علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس ، وعبدالله بن الزبير ، والحسن البصري . وذهب إلى ذلك أبو حنيفة .
وقال جماعة من الصحابة والتابعين والأئمة بجواز إخراج القمح، لكنهم اشترطوا إخراج صاع، وهو مروي عائشة ، وعبد الله بن عمر، وهي الرواية الثانية عن: علي بن أبي طَالِب ، وعبد الله بن عَبَّاسٍ ، وعبد الله بن الزبير والحسن البصري .
وذهب إلى هذا الإمام مالك ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل .
وحجة الفريقين ما جاء عن أبي سعيد الخدري، قال : كُنّا نُخْرِجُ زَكَاة الفِطْرِ – إذْ كانَ فِينا رَسُولُ الله – صلى الله عليه وسلم — صَاعاً من طَعامٍ ، أو صَاعاً من شَعِيرٍ، أو صَاعاً من تَمْرٍ ، أو صاعاً من زَبيبٍ، أو صَاعاً من أقطٍ ، فلم نَزَلْ نُخْرِجهُ حتّى قَدِمَ معاويةُ المَدِينَةَ ، فَتَكَلّمَ ، فَكانَ فِيما كلَّمَ به النّاسَ: إنِي لأرَى مُدَّيْنِ من سَمْرَاءِ الشّامِ تَعْدلُ صَاعاً من تَمْرٍ . قال فأخذَ النَّاسُ بذلك. قال أبو سعيد : فلا أزالُ أخرجهُ كما كُنْتُ أخرجهُ. انتهى
قلت : والمُدَّان هي نصف صاع .
– وإخراج القيمة مروي عن بعض متأخري الشافعية، وهو ما لم أراه منصوصاً عليه في كتاب، برغم ذكر الرافعي له، فقد قال الزركشي في المنثور وهو يتكلم عن ” التخيير ” : (ومنها في زكاة الفطر ، إذا خيرناه بين الأجناس ، فليس له إخراجها من جنسين ، وإن كان أحدهما أعلى من الواجب ، كما إذا وجب الشعير وأخرج نصف صاع منه ، ونصف صاع من الحنطة .
قال الرافعي : ورأيت لبعض المتأخرين تجويزه ، وهذا كله عند اتحاد الدافع ، فلو تعدد كما لو كان لهما عبد وهما مختلفا القوت فالأصح أنه يخرج كل واحد منهما نصف صاع من قوته ؛ لأنه لم يبعض ما عليه ، وطرد ابن سريج المنع ، وقال : المخرج عنه واحد ، فلا يبعض واجبه). انتهى
ويُستدل على إخراج القيمة بما يلي :
بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في صدقة الفطر : ” أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم ” .
والإغناء قد يكون بدفع القيمة ، كما يكون بدفع الأصل .
وبما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ” في خمس وعشرين بنت مخاض ، فإن لم يكن فابن لبون ذكر ” فنص على دفع القيمة .
وبما روي عن معاذ أنه قال لأهل اليمن حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم واليا عليهم : ” ائتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم مكان الذرة والشعير فإنه أهون عليكم ، وأنفع للمهاجرين والأنصار بالمدينة ” فأمرهم بدفع الثياب بدلا عن الذرة والشعير ، وهو لا يقول ذلك في حياة النبي صلى الله عليه وسلم إلا توقيفاً .
قالوا : ولأنه مال مزكى فجاز إخراج قيمته كمال التجارة .
وقالوا : ولأن القيمة مال فجاز إخراجها في الزكاة كالمنصوص عليه .

وقالوا : ولأنه لما جاز في الزكاة العدول عن العين إلى الجنس ، وهو أن يخرج زكاة غنمه من غيرها جاز العدول من جنس إلى جنس ، ألا ترى أن في حقوق الآدميين لما لم يجز العدول من العين إلى الجنس لم يجز العدول من جنس إلى جنس .
قال الدهلوي وهو يتكلم عن زكاة الفطر في كتابه الماتع حجة الله البالغة : ” وإنما قُدِّر بالصاع؛ لأنه يشبع أهل البيت ، ففيه غنية معتد بها للفقير ، ولا يتضرر الإنسان بإنفاق هذا القدر غالبا .
وحمل في بعض الروايات نصف صاع من قمح على صاع من شعير؛ لأنه كان غالبا في ذلك الزمان لا يأكله إلا أهل التنعم ، ولم يكن من مأكل المساكين ، بينه زيد بن أرقم في قصة السرقة ، ثم قال علي رضي الله عنه : (إذا وسع الله فوسعوا)..”. انتهى
قال أبو يوسف : ” الدقيق أحب إليّ من الحنطة ، والدراهم
أحب إليّ من الدقيق لأنه أيسر على الغني وأنفع للفقير ، والأحوط الحنطة ليخرج عن الخلاف ؛ ولا يجوز الخبز والأقط إلا باعتبار القيمة لعدم ورود النص بهما”. انتهى ( الاختيار في تعليل المختار 1/131) .
والحقيقة : إخراج الصحابة والتابعين نصف صاع من القمح يدل على أن العبرة في الفطرة بالقيمة مع الكيل، وليس بالكيل فقط؛ فإنهم رأوا أن نصف صاع من القمح قدر صاع من الشعير ونحوه .
لأنه لو كان المعتبر الكيل لجاز دفع نصف صاع كيله أكثر من وزنه ، ولو كان المعتبر الوزن لجاز دفع عكس ذلك .
– وتأمل قول ابن نجيم في البحر الرائق، وهو يتكلم عن الأفضلية بين العين ( الطعام) والقيمة فقال :
” ولم يتعرض المصنف لأفضلية العين أو القيمة فقيل بالأول وقيل بالثاني والفتوى عليه ؛ لأنه أدفع لحاجة الفقير كذا في الظهيرية واختار الأول في الخانية إذا كانوا في موضع يشترون الأشياء بالحنطة كالدراهم” .
– قال ابن عابدين : ” القيمة تكون أيضا من الفلوس والعروض .. لأن العلة في أفضلية القيمة كونها أعون على دفع حاجة الفقير لاحتمال أنه يحتاج غير الحنطة مثلا من ثياب ونحوها ..”. انتهى
قال الشافعي في الأم : ” أخبرنا أنس بن عياض عن داود بن قيس سمع عياض بن عبد الله بن سعد يقول إن أبا سعيد الخدري يقول كنا نخرج في زمان النبي صلى الله عليه وسلم صاعا من طعام أو صاعا من أقط أو صاعا من زبيب أو صاعا من تمر أو صاعاً من شعير فلم نزل نخرج ذلك حتى قدم معاوية حاجا أو معتمرا فخطب الناس فكان فيما كلم الناس به أن قال إني أرى مدين من سمراء الشام تعدل صاعا من تمر فأخذ الناس بذلك .
ثم قال : والثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التمر والشعير ولا أرى أبا سعيد الخدري عزا أن النبي صلى الله عليه وسلم فرضه إنما عزا أنهم كانوا يخرجونه “.
قلت : وفي رواية : “كُنّا نُخْرِجُ زَكَاة الفِطْرِ – إذْ كانَ فِينا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ..”.
– قال الشوكاني في إرشاد الفحول : ” فمثل هذا يستحيل خفاؤه عليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ..”. انتهى
– وأخيراً أقول لمَن يُلزمون الناس بإخراج الجنس المنصوص، هل تفعلون ذلك في زكاة الذهب أو غيره من الزكوات ؟
الواقع يشهد بأنكم تخرجون القيمة، إذ تخرجون عملة ورقية هي قيمة الواجب من الذهب، مع أن الأصل هو إخراج الذهب وليس القيمة ..
قال الشافعي رضي الله عنه : ” ولا يجزئه ذهب عن ورق ، ولا ورق عن ذهب ؛ لأنه غير ما وجب عليه ” .
قال الماوردي : “وهذا كما قال : إخراج القيم في الزكوات لا يجوز ، وكذا في الكفارات حتى يخرج المنصوص عليه بدلا أو مبدلا”.
فإن كنتم أخرجتم القيمة مراعاة للعرف، فينبغي تعميم هذا الأصل في كل الزكوات .
والحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

نشر التعليق