– أشرنا في الموضوع السابق أنّ كثيراً من كتب السيرة ألفت مع كتب الأحاديث، على أنّ هناك كتباً ألّفت في السيرة النبوية كتب خاصة بها، وهذا يعني أنّه لم يهتمَّ المسلمون بشيءٍ بعد القرآن الكريم كاهتمامهم بسيرة نبيِّهم صلى الله عليه وسلم، وحرصهم على معرفة تفاصيل حياته الخاصة والعامة، يدفعهم إلى ذلك عاملان رئيسان:

الأول: ارتباطهم العاطفي بشخص الرسول صلى الله عليه وسلم، ومَيلهم الشديد لمعرفة تفاصيل حياته، وقد كانت هذه الرغبة تتعاظم وتشتد كلما ابتعدوا عن عصره، ونأَى بهم الزمان أو المكان عن مشاهدته، والعيش معه عن قُرب، وقد زادتهم حِقبة الانقطاع عن السيرة حنينًا إليها وتعلُّقًا بأحداثها، وبمن يحدث عنها حديث المشاهدة والمعايشة.

والأمر الثاني: الفرق الجوهري بين المحدث والمؤرخ؛ فالمؤرخ إنما يعتني بتوثيق الحدث، وإيراد كل ما عنده من أخبار في ذلك، بينما يتوجه المحدث إلى تحرِّي الرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وتمييز المقبول من المردود؛ لأنه يتكلم في الحلال والحرام.

وعلى كلٍّ فقد كان العلماء في الصدر الأول (القرون الثلاثة الأولى)، يعتمدون على قاعدة مفادها (من أسند إليك، فقد حَمَّلك)؛ ومن ثَمَّ كانوا يُورِدون الأخبار بأسانيدها، والعهدة على الإسناد؛ لكون ذلك شائعًا في تلك المرحلة التاريخية.

ولم يتمَّ توظيف منهج النقد في سياق الأخبار التاريخية، إلا في محاولات جزئية في الحوادث الخاصة بالسيرة كالمغازي وغيرها، مما يتصل اتصالاً وثيقًا بالحلال والحرام، أو بشخص النبي -صلى الله عليه وسلم- كما وجدنا في بعض الكتب الستة، وبدا ذلك أيضًا عند المتأخرين كابن كثير (774هـ) في “البداية والنهاية”؛ الذي تعرَّض فيه لنظرات نقدية مبثوثة في كتابه؛ ولكنها تبقى جزئية.
– لقد أصبحت السيرة النبوية علمًا مستقلاًّ، له علماؤه ومؤلفوه، فأقدم كتاب وصل إلينا في علم الحديث هو موطأ الإمام مالك بن أنس، لم يخلُ من ذكر طائفة كبيرة من الأحاديث التي تتعلق بسيرة النبي وأوصافه وأسمائه، وذكر ما يتعلق بالجهاد.
واستمر هذا التقليد المتَّبع أو هذا المنهج في كُتب كبار علماء الحديث، وفي مقدمتهم الإمامان البخاري ومسلم، فقد اشتمل صحيحاهما على جزء كبير من مغازي الرسول وفضائله ومناقب أصحابه، وقد شغل ذلك عُشر صحيح البخاري، وحذا حَذو البخاري ومسلم أصحابُ السُّنن والمسانيد في كُتبهم.

– وهنا يجب التأكيد على ضرورة إعادة كتابة السيرة “التطبيق العملي للإسلام”، وَفق مناهج جديدة تجمع بين دقة المنهج العلمي وصحة الأخبار من جهة، وبين عُمق الإيمان بنبوة صاحب السيرة -صلى الله عليه وسلم- من جهة أخرى.
– نعم إنّه يجب أن ندرس السيرة النبوية من جميع جوانبها (النبوية والبشرية)، فندرس حياة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بوصفه نبيًّا، وإمامًا، ومفتيًا، وقاضيًا، وإنسانًا -(زوجًا، وأبًا، وجدًّا)- كما ينبغي دراسة تفاعلات هذه النواحي فيما بينها لدراسة أثر “الوحي” و”الفكرة الدينية” في عملية بناء وتغيير المجتمعات.
– وفي هذا يقول الشيخ محمد الغزالي: (إنني أكتب في السيرة كما يكتب جندي عن قائده، أو تابع عن سيده، أو تلميذ عن أستاذه، ولستُ -كما قلتُ- مؤرخًا محايدًا، مَبتوت الصلة بمن يكتب عنه، ثم إنني أكتب وأمام عيني مناظر قائمة من تأخُّر المسلمين العاطفي والفكري، فلا عجب إذا قصَصت وقائع السيرة بأسلوب يُومئ من قربٍ أو من بُعد إلى حاضرنا المؤسف، كلما أوردتُ قصة تَحمل في طيَّاتها شِحنة من صدق العاطفة، وسلامة الفكر، وجلال العمل[1]، والحمد لله ربّ العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] انظر: فقه السيرة للغزالي، دار القلم – دمشق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

نشر التعليق