المَوضُوعُ الثَّاني (1)

أَسْمَاءُ الْقُرْآنِ الكَرِيم وَحِكْمَةُ تَعَدُّدِهَا

– سُمِّيَ القرآنُ الكريمُ بأسماءَ كثيرة، أُخِذَتْ من أوصافِه الَّتي وردت فيه، وقد بيَّن العلماء رحمهم الله تعالى، حكمةَ تعدُّدِ الأسماءِ للقرآنِ الكريم، فقالَ الفيروز آبادي رحمه الله تعالى:  “اعلم أنَّ كثرةَ الأسماء تدلُّ على شرف المُسمَّى أو كماله في أمر من الأمور، أما ترى أنَّ كثرةَ أسماء الأسد دلَّت على كمال قوَّته، وكثرةَ أسماء القيامة دلَّت على كمالِ شدَّتِه وصعوبتِه، وكثرةَ أسماء الدّاهية دلّت على شدّة نكايتها، وكذلك كثرة أسماء الله تعالى دلّت على كمال جلال عظمته، وكثرة أسماء النَّبيِّ  صلّى الله عليه وسلّم دلَّت على علوِّ رتبته، وسموِّ درجته، وكذلك كثرة أسماء القرآن دلّت على شرفه وفضيلته”(1)، وأَشْهرُ هذه الأسماء:

1- القرآن:

القرآن في اللغة، هو مصدر “قرأ”، يُقَال: قرأ يقرأ قراءة، وقرآناً، قال تعالى في سورة القيامة: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ}. (2)، ثمّ نُقِلَ من هذا المعنى المصدريِّ، وجُعِلَ اسماً للكلام المعجِزِ المنزَّلِ على النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، من باب إطلاق المصدر على مفعوله، فالقرآن على هذا يكون بمعنى المقروء، وهذا ما اختاره أكثر العلماء استناداً إلى موارد اللُّغة وقوانين الاشتقاق.

“أما القول بأنه وصف من القُرْءِ – بسكون الرَّاء – بمعنى الجَمع، فهو قولٌ ليس براجح، وكذلك قول من قال: إنَّه مشتقٌّ من قرنت الشَّيء، أو أنَّه مرتجل, أي: موضوع من أوّل الأمر عَلَمَاً على الكلام المعجِز المنزَّل، فكلُّ ذلك -كما يقول الزَّرقاني- لا يظهر له وجه وجيه، ولا يخلو توجيه بعضه من كلفة” (3).

هذا هو مفهوم لفظ “قرآن” في اللُّغة.

وأمّا مفهومُه في اصطلاح علماء العقيدةِ والشّريعةِ واللّغة, فهو منتَزَعٌ من خصائصِه، ومقاصدِه الكبرى، وأشهرُ تعريفٍ له قولُهم:

القرآنُ كلامُ اللهِ المعجِز، المنزَّل على رسولِ اللهِ محمّدٍ صلّى اللهُ عليه وسلّم، المكتوبُ في المصاحف، المنقولُ بالتّواتر، المُتعبَّدُ بتلاوتِه.

بهذا عرَّفه أكثرُ أهلِ العلم، وتوضيحه:

إنّ الكلامَ البشريَّ نفسيٌّ ولفظيٌّ، فالنَّفسيُّ هو المعاني الّتي تجولُ بالفؤادِ قبل أن تخرج بها الأصواتُ, واللَّفظُ هو قالبُ تلك المعاني, وهي الَّتي نسمعُها من الأصوات.

فقولنا: القرآن كلام اللهِ تعالى, قد يُرَاد به الكلامُ النَّفسيّ, وقد يُرَادُ به الكلام اللَّفظيُ – ولله المثلُ الأعلى وهو العزيز الحكيم- فالمتكلِّمون يطلقونَ كلام اللهِ على الكلام النَّفسيِّ فقط، ويقرِّرون أنَّه كلام قديم غير مخلوق، فيجب تنزهُّه عن الحوادث وأعراض الحوادث، وتجرُّدُه عن الحروف اللَّفظيَّة المتعاقبة المستلزمة لتجدُّد الزَّمان والحدوث.

والأصوليّون والفقهاء اهتمُّوا بإطلاق القرآن على الكلام اللَّفظيّ؛ لأنَّ غرضَهم الاستدلالُ على الأحكام، وهو لا يكون إلّا بألفاظ، وكذلك علماء اللُّغة العربيّة يهتمّون بالكلام اللَّفظيِ؛ لأنَّ عنايتهم بالإعجاز، وطريقة الألفاظ”(4)، وهذا التّعريف جمع أشهر خصائص القرآن وأهمَّ مقاصده.

هذا؛ ويطلق لفظ القرآن على الكتاب المُنزَّل كلِّه، وعلى بعضه.

2– الكتاب:

وهو مصدر من الكتب، ومعناه الضمّ والجمع، ومنه الكتيبة، وهي القطعة من الجيش، وهذا الاسم موافق للَّذي قَبْلَه في المعنى، فالقرآن جمع الحروف، وضمّ بعضها إلى بعض في النطق، والكتاب جمع الحروف وضمّ بعضها إلى بعض في الخطّ.

3– التَّنزيل:

وهو مصدر “نزَّل” بتشديد الزَّاي, قال تعالى:  {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِين} (5).

 

4– الفرقان:

سُمِّيَ بذلك لأنّه يفرِّقُ بين الحقّ والباطل بالحجّة القاطعة والبرهان السّاطع، قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} (6).

5- الهدى:

قال تعالى: { ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}(7)، وقال جلَّ شأنه: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ} (8).

6- الصِّراط المستقيم:

لأنَّه المنهجُ الواضحُ الَّذي لا عِوَجَ فيه ولا انحراف، ولا تناقضَ فيه ولا اختلاف.

هذا؛ وقد صنَّف الحراليّ من أسماء القرآن جزءاً، وأنهى أساميه إلى اثنين وتسعين، كما قال الزّركشيّ في البرهان، وقد عَدَّ الزركشي منها جملة، وبيَّنَ اشتقاقها(9)، ولكن أكثرها غير مشهور، والمشهور منها ما ذكرناه، والأوصاف لا تنزل منزلة الأسماء، إلّا إذا اشتهر بها الموصوف, وكانت دالَّة عليه بالأصالة, قائمة مقام العلم عند حذفه، وأكثر ما ذكره الحراليّ والزّركشي وغيرهما أوصاف للقرآن، وليست أسماءً، ولا هي كالأسماء؛ لعدم استقلالها في الدّلالة عليه.

======================================================

(1): بصائر ذوي التّمييز لللفيروزآبادي: 1/88.

(2):  آية: 16- 18.

(3):  مناهل العرفان للزُّرْقانيّ: 1/7.

(4):  اللّآلئ الحسان في علوم القرآن للدّكتور موسى شاهين: ص: 9.

(5):  الشّعراء: 192.

(6):  الفرقان: 1.

(7): سورة البقرة: 2.

(8): الصّفّ: 9.

(9): البرهان في علوم القرآن للزّركشيّ: 2/ 273.