المَوضُوعُ الأوَّلُ (1) في عِلْمِ أصول الدّين
بسم الله الرَّحمن الرّحيم

الحمدُ للهِ ربّ العالمين، وأفضل الصَّلاة وأتمُّ التَّسليم على سيدنا محمد، وآله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدّين.

مرحباً بكم زوّار موقع معهد الإمام الأعظم أبي حنيفة النُّعمان في رحاب قسم علم أصول الدّين، حيثُ سنبدأ التّعريف بهذا العلمِ المهمّ من علوم ديننا الوضّاء، علمِ العقائد، وما يتعلَّقُ به، راجينَ لنا ولكم الإخلاصَ والصّوابَ، والقَبولَ عندهُ سبحانهُ وتعالى، إنّه خيرُ مأمولٍ، وأكرمُ مسؤولٍ.

 

– تَعْرِيْفٌ بِعِلْمِ العَقَائِد:

– عِلْمُ أُصُوْلِ الدّيْنِ: وَيسَمّى أَيضَاً علمَ العقائدِ، وعلمَ التّوحيدِ، وعلمَ الكلامِ، كما سمّاهُ الإمامُ أبو حنيفةَ النّعمان باسمِ الفقهِ الأكبرِ، وقدْ عرّفهُ العلماءُ بأنَّه: علمٌ يقتدرُ بهِ على إثباتِ العقائدِ الدّينيّة، بإيرادِ الحججِ عليها، ودفعِ الشّبه عنها، وإلزامِ الخصمِ بها، وسمّيَ أصولاً؛ لا من حيثُ إنّهُ قواعدُ استنباطٍ ودراسةٍ، بل من حيثُ إنَّ الدّينَ يبنى عليه، فإنَّ الإيمانَ باللهِ تعالى أساسُ الإسلامِ بفروعِه المختلفة. [1]

–  وعرّفه ابنُ خلدونَ بقولِه: (هو علمٌ يتضمّنُ الحِجَاجَ عن العقائدِ الإيمانيَّةِ بالأدلَّةِ العقليّةِ، والرَّدِّ على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السَّلف وأهل السّنّة)، فهو علم يعتمد النّظر والاستدلال العقليَّ بعد الأصول النَّقليّة من الكتاب والسُّنَّة والإجماع؛ لإثبات العقائد الإيمانيَّة، وصيانتها من شبه المبطلين، وغايته إحكامُ العقائد الإيمانيَّة بالعلم واليقين؛ لأنَّ إيمانَ المقلّد فيه نظر عند أئمّة الإسلام. ولذلك عدّه الإمام أبو حنيفة من (الفقه الأكبر) الّذي لا يعذر أحد من المسلمين بجهله من جهة الإجمال.[2]

وأصول الدّين هي: كلّ ما ثبت وصحّ من الدّين، من الأمور الاعتقاديّة العلميّة والعمليّة، والغيبيّات الثّابتة بالنّصوص الصّحيحة، وقد يطلق مصطلح أصول الدّين ويراد به: أركان الإسلام، وأركان الإيمان، فأركان الإسلام خمسة: شهادة أن لا إله إلا الله، وأنّ محمّداً رسول الله، وأقام الصَّلاة، وإيتاء الزَّكاة، وصوم رمضان، وحجّ البيت الحرام لمن استطاع إليه سبيلاً، وأركان الإيمان ستّة: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره. وأركان الإيمان السّتّة وأركان الإسلام الخمسة، جاءت مجملة، وجاءت مفصّلة، وكلّ ذلك بنصوص قطعيّة، وكلّ هذه القطعيَّات لابدّ للمسلم أن يعتقدها جملة وتفصيلاً، ولا يشكّ فيها أو يعارضها.[3].

 

– تعريفه من حيث كونُه عَلَماً:
هو علم يبُحث فيه عن أسماء الله تعالى وصفاته وأفعاله، وأحوالِ المخلوقين من الملائكة والأنبياء والأولياء والأئمّة، والمبدأ والمعاد على قانون الإسلام لا على أصول الفلاسفة، تحصيلاً لليقين في العقد الإيمانيّ، ودفعاً للشّبهات.

وقد عرّفه عضد الدّين الإيجي في (المواقف في علم الكلام) بأنّه : ((علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينيّة على الغير، بإيراد الحجج ودفع الشبه، والمراد بالعقائد ما يقصد فيه نفس الاعتقاد دون العمل, وبالدّينيّة: المنسوبة إلى دين محمّد صلّى الله عليه وسلّم، فإنَّ الخصم وإن خطّأناه؛ لا تخرجه من علماء الكلام)).[4]
– يستنتج من هذا التّعريف لعلم أصول الدّين الّذي اشتهر باسم علم الكلام عدّة أمور، أهمّها:
1- أنّ علم أصول الدّين يعتمد منهج البحث والنّظر والاستدلال العقليّ وسيلة لإثبات العقائد الدّينيّة الّتي تثبت بالوحي، وصحّتها، ودفع الشّبه وردّ الخصوم عنها.

2 – أنَ السّلف وأهل السّنّة من الأشاعرة والماتريديّة، وجعلوا مهمّة العقل: الفهمَ عن الشّرع، والتماس البراهين لها ودفع الشّبه عنها.

 

– تعريفه من حيث كونُه مضافاً:
تعريف علم أصول الدّين باعتباره مركّباً إضافيَاً من كلمة (أصول)، وهي المضاف، وكلمة (الدّين) وهي المضاف إليه. فكلمة (أصول): جمع. مفردها: أصل. ومعناها اللّغويّ: ما يُبنى عليه غيرُه، سواء أكان الابتناء حسّيّاً، كالأساس الّذي يشيد عليه البناء، فهو أصل له. أم كان الابتناء عقليّاً، كابتناء الأحكام الجزئيّة على القواعد الكلّيّة. وقد تصرّف العلماء في كلمة أصل، فنقلوها من معناها اللّغويّ الّتي تدلّ عليه حقيقة، واستعملوها بعدّة معان مجازيّة أهمّها: ما يقابل الفرع، والقاعدة، والدّليل، والرّاجح من الأمور. [5]

وكلمة (الدّين): اسم عام يطلق في اللّغة على كلّ ما يتعبد الله به، وهو نظام إلهيّ سائق لذوي العقول إلى الخير وهو (الإسلام)، قال الله تعالى ((إن الدّين عند الله الإسلام)) (سورة آل عمران: 19)، وقال تعالى ((ورضيت لكم الإسلام ديناً)) (سورة المائدة: 3). كما يطلق الدّين على عدّة معان مختلفة منها: الانقياد والطّاعة والخضوع والاستسلام، والاستعلاء والملك والسّلطان، والجزاء والحساب، والعادة والقضاء والمذهب والملّة والشريعة [6]. والمتدينُ هو المسلم المطيع المقرّ بالجزاء والحساب يوم الميعاد، وهو خير العباد.[7].

 

 

المصادر
1- وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية – الكويت. “الموسوعة الفقهية الكويتية”. الموسوعة الشاملة.
2- كتاب: منهج قراءة التراث الإسلامي بين تأصيل العالمين وانتحال المبطلين، تأليف: أبو جميل الحسن العلمي، الناشر: دار الكلمة للنشر والتوزيع، الطبعة. الأولى: 2012 م، ص: 253.
3- كتاب: حراسة العقيدة، تأليف: ناصر بن عبد الكريم العقل، الناشر: مكتبة العبيكان، الطبعة الأولى: 2002 م ص: 53.
4- كتاب: أصول الدين الإسلامي، تأليف: قحطان الدوري، رشدي عليان، الناشر: دار الإمام الأعظم النعمان بن ثابت، . الطبعة الثانية: 2011 م، ص: 22 – 23.

5 – شرح مختصر المنتهى الأصولي، لعضد الدين عبد الرحمن الإيجي، تحقيق: محمد حسن محمد حسن إسماعيل، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان – الطبعة: الأولى، 1424 هـ – 2004 م
6- انظر: القاموس المحيط مادة (أصل)، وإرشاد الفحول، ص: 3، وبمباحث الحكم عند الأصوليين لمحمد سلام مدكور، ص: 8، والأصول العامة للسيد محمد تفي الحكيم، ص: 39.
7- انظر: القاموس المحيط، ولسان العرب، ودائرة المعارف القرن العشرين، ج4 , ص106.