المَوضُوعُ الأوَّلُ (1) في عِلْمِ الفقه وأصوله.
بسم الله الرَّحمن الرّحيم

الحمدُ للهِ ربّ العالمين، وأفضل الصَّلاة وأتمُّ التَّسليم على سيدنا محمد، وآله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدّين.

مرحباً بكم زوّار موقع معهد الإمام الأعظم أبي حنيفة النُّعمان في رحاب قسم علم الفقه وأصوله، وسيكون التّعريف بهذا العلمِ المهمّ مدخلاً إلى معرفة موضوعه وثمرته، راجينَ لنا ولكم الإخلاصَ والصّوابَ، والقَبولَ عندهُ سبحانهُ وتعالى، إنّه خيرُ مأمولٍ، وأكرمُ مسؤولٍ.

أوّلاً: التَّعريف بالفقه:
الفقه لغة: هو العلم بالشّيء، والفهم له، والفطنة، واشتَهر به علمُ الدّين لشرفه. وأُطلقَ بعدُ على ما يتناول الأحكام الدّينيّةَ جميعَها؛ من أحكام العقائد، والأحكام العمليّة من علوم الشّريعة التي ينبغي الوقوف عندها وهي: الفقه، وأصول الفقه، ومقاصد الشريعة.
وأساس الفقه خطاب الله المتعلّق بأفعال المكلفين. ويشمل خطابُ الله الأحكامَ كلَّها كما يدرك ذلك من قوله تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (1). وقد كان أول ما وُجد منه عبارة عن طائفة.
وبرزت في الفقه مدرستان: مدرسة النقل، ومدرسة العقل. الأولى اشتهرت بمدرسة أهل الحديث، والثانية بمدرسة الرأي. وبالإضافة إلى ما بين المدرستين من اختلاف في الاتجاه لاحظنا ما شهِدَته كل مدرسة من تطوّر في السير بالفقه. فمِن آخذٍ بفقه السلَف المعتدّ به بين غالب المسلمين في عهده، أو متَمسِّكٍ بمذاهب الخَلَف من بعدهم، أو بالمدارس الاجتهادية التي أَصَّلَت للفقه قواعده، وبحثت قضاياه المختلفة من عبادية وغيرها، باعتبار ما اشتمل عليه المصدران: القرآنُ والسُّنة من تشاريع وأحكام.
والفقه في كل ذلك عبارة عن التصديق بالقضايا الشرعية، المتعلقة بكيفية العمل، تصديقاً حاصلاً من الأدلة التفصيلية التي نصبها الشارع على تلك القضايا. وهي الأدلة الأربعة: الكتاب والسُّنة والإجماع والقياس.
وقال أبو حنيفة: الفقه معرفة الإنسان بالنفس ما لها وما عليها (2). وتنوَّعَ الفقه، في بعض أطواره، بحكم كونه علماً دينياً، إلى ثلاثة أنواع:
فمنه الاعتقاديات التي يُبرزها علم الكلام، والوجدانيات التي يُمثلها علم الأخلاق والتصوّف، ومختلف المعاملات من عبادية تُعنى أوّلًا بعلاقة الإنسان بربه فيما يدين له به من الطاعة، وفي الاستجابة لأوامره وترك نواهيه، وثانياً بضبط المرء علاقته بالمجتمع من حوله، وما يكون له في ذلك من تصرّفات يريد بها الإيمان والعدل والاستقامة.
وهذا التنوّع فيما أحسب هو الذي دعا صاحب المقاصد إلى التمييز من أجله بين الديانة والشريعة في مجال الفقه.
وعرّف الإمام الأكبر هذين المصطلحين، فالديانة تخصّ أحكامَ العبادات وما يتّصل بها من أسرار تتعلّق بسياسة النفس وإصلاح الفرد والجماعة. وقد فصّل القول في هذا في كتابه أصول النظام الاجتماعي في الإسلام. وأما الشريعة فهي قانون الأمة وليست التفاتاً إلى مطلق الشيء المشروع كالمندوب والمكروه، فهما في اصطلاحه هذا غير مرادين (3).
وعرَّف آخرون علم الفقه بقولهم: هو العلم بأحكام الله تعالى في أفعال المكلفين بالوجوب والحظر والندب والكراهة والإباحة. وهي متلقاة من الكتاب والسنة، ومما نصبه الشارع لمعرفتها من الأدلّة (4).
ويراد من الفقه عند الفقهاء معرفة باطن الشيء، والوصول إلى أعماقه. وهو نظام شامل يُنَظّم علاقات الإنسان بخالقه، أو العلاقات بين الأفراد والجماعات، أو علاقات الدول الإسلامية فيما بينها، أو فيما بينها وبين غيرها من الدول في السلم والحرب (5).
وفي الاصطلاح: يطلق الفقه على العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلّتها التفصيليّة. وأركانه أربعة، لأن الأحكام الشرعية إما أن تتعلق بأمر الآخرة وهي العبادات، وإما بأمر الدنيا سواء أكانت متعلّقة ببقاء الشخص وهي المعاملات، أم ببقاء النوع باعتبار المنزلة وهي المناكحات، أم باعتبار بقاء المدنية، وهي العقوبات (6).
وموضوع علم الفقه أعمال المكلَّفين، وقيل: موضوعه أعمُّ من ذلك. ومسائله الأحكام الشرعية العملية. وغرضه النجاة من عذاب النار. ومن ثمّ قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “من يرد الله به خيراً يفقّهه في الدين” (7).
وقد لخّص هذا صاحبُ مفتاح السعادة بقوله: الفقه هو علم يبحث في الأحكام الشرعية الفرعية العملية من حيث استنباطها من الأدلة التفصيلية، ومباديه أصول الفقه. وله استمداد من سائر العلوم الشرعية والعربية. وفائدته حصول العمل به على الوجه المشروع. والغرض منه تحصيل ملكة الاقتدار على الأعمال الشرعية (8).
وبالرغم عن أهمية هذا العلم وشموله، وقطعيّة أدلته من الكتاب والسُّنة، فإنّه لا يفيد إلا الظن؛ لأنه وإن كان قطعيَّ الثبوت إلا أن أكثره ظنيُّ الدلالة. والغاية والغرض في العلوم العملية يحصلان بالظن، ولا يلزم فيهما اليقين. وبذلك صار هذا العلم محلاً للاجتهاد، وجاز الأخذ فيه بأيّ مذهبِ مجتهدٍ أراده المقلِّد (9).

سنتابع الموضوع بإذن الله تعالى في الأسبوع المقبل، فحتّى ذلكم الحين نستودعكم الله تعالى، والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

(1) سورة التوبة، الآية: 122.

(2) صدر الشريعة. التوضيح على التنقيح. مع شرحه التلويح: ص: 10.

(3) المقاصد: 29.
(4) ابن خلدون: المقدمة: 416.
(5) محمد مصطفى شلبي. المدخل في التعريف بالفقه الإسلامي: 1/ 32.

(6) التهانوي: كشاف اصطلاحات الفنون: 1/ 32.
(7) خَ 1/ 25 – 26، 4/ 93، 8/ 149؛ مَ: 1/ 718 – 719، 2/ 1425.
(8) طاش كبرى زاده. مفتاح السعادة: 2/ 173؛ القنوجي. أبجد العلوم: 2/ 401 – 402.
(9) القنوجي: أبجد العلوم: 2/ 402.