المَوضُوعُ الأوَّلُ (1) في عُلُوْمِ الْقُرْآنِ الْكَرِيْم
بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرّحيم

الحمدُ للهِ ربّ العالمين، وأفضلُ الصَّلاة وأتمُّ التَّسليم على سيدنا محمّد، وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه إلى يوم الدّين.

مرحباً بكم زوّار موقع معهد الإمام الأعظم أبي حنيفة النُّعمان في رحاب قسم علوم القرآن الكريم، حيثُ  سنبدأ فيه مع حضراتكم بالتّعريفِ بعلوم القرآن، ونشأة هذه العلوم وتطورها وأنواعها، وفوائدها، راجينَ لنا ولكم الإخلاصَ والصّوابَ، والقَبولَ عندهُ سبحانهُ وتعالى، إنّه خيرُ مأمولٍ، وأكرمُ مسؤولٍ.

أَوَّلَاً:  تَعْرِيْفُ عُلُوْمِ الْقُرْآنِ الْكَرِيْم:

يُقصد بعلوم القرآن كلَّ علمٍ يخدُم القرآنَ الكريمَ، ويحاول سبر أغواره، لكشف أسراره وخباياه، كالبحث فيه من ناحية نزوله وكتابته، وجمعه وترتيبه، وقراءاته ورسمه، ومُحكمه ومُتشابهه، وناسخه ومنسوخه، وإعجازه وبلاغته، وأساليبه وقصصه.

ونظراً لتعدد جوانب القرآن الكريم وتفرعها، أدى السعي إلى فهم كلّ واحد من هذه الجوانب إلى نشوء عدد من العلوم وفروعها، أسماها الفقهاء اختصاراً “علوم القرآن.” وقد أوصل الزركشي عدد هذه العلوم في كتابه “البرهان” إلى سبعة وأربعين نوعاً، وأوصلها الحافظ السيوطي في كتابه “الإتقان في علوم القرآن” إلى ثمانين نوعاً. ومن ذلك نذكر على سبيل المثال لا الحصر؛ علم التفسير، وعلم أسباب النزول، وعلم إعجاز القرآن، وعلم الرسم القرآني، وغير ذلك كثير. وتعتبر علوم القرآن عربيةً إسلاميةً صِرفة، أنشأها العلماء المسلمون، وساهموا في تطويرها.

ثانياً: نشأة علوم القرآن وتطورها:

نشأت علوم القرآن من حيث وجودُها في عهد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، أما من حيث تدوينُها فتختلف نشأتها باختلاف كل نوع منها، ففي عهد ما قبل التدوين، كان النبي وأصحابه على دراية بعلوم القرآن لكنهم لم يُدوِّنوها، ولم ينشروها في الكتب لعدم حاجتهم لذلك، وفي عهد الخليفة الراشدي عثمان رضي الله عنه ظهرت الحاجة إلى التدوين، فجُمِع القرآن في مصحف واحد ونُسخت أعداد كثيرة منه، مُشكِّلةً بذلك اللبنة الأولى لظهور علم رسم القرآن. وفي عهد عليّ رضي الله عنه ظهرت الحاجة لوضع قواعد اللغة لحماية القرآن من اختلاطه بلغة الأعاجم، فتَشكَّل علم النحو. وفي العهد الأمويّ وَضع الصحابة والتابعون الحجر الأساس لعلم التفسير، ثم جاء ما يُعرف بعهد التدوين فأُلِّفت الكتب في شتى أنواع العلوم، وانصبَّ التركيز أول الأمر على علم التفسير، ثم تفرعت الكتب والمؤلفات لتشمل عدداً كبيراً من علوم القرآن. ولا تزال هذه العلوم تتكاثر وتتطور يوماً بعد يوم.

ثالثاً: أنواع علوم القرآن:

نظراً لتعدد جوانب القرآن والقضايا التي يعالجها، اختلف أهل العلم في عدد علوم القرآن وأنواعها، فقد حصرها الزركشي في سبعة وأربعين نوعا، وعدها السيوطي ثمانين نوعا، وهناك من زاد عن ذلك أو نقص. وبشكل عام، يمكن تقسيم علوم القرآن إلى نوعين، النوع الأول علوم تتعلق بالقرآن مباشرة ولا تخرج إلا منه كأسباب النزول، وعلم القراءات، وعلم المكي والمدني. والنوع الثاني علوم قرآنية تشترك مع غيره من العلوم، وهي على قسمين، أولها علوم مرتبطة بالقرآن كنصِّ شرعيٍّ تؤخذُ منه الأحكامُ التشريعية ويشاركه فيها الحديث النبويُّ، ومن ذلك علم الأحكام الفقهية، وعلم الناسخ والمنسوخ، وعلم المُحكم والمتشابه. وثانيها علوم مرتبطة بالقرآن باعتباره نصًّا عربيًّا، ويدخل في ذلك جملة من العلوم كعلم معاني القرآن، وعلم متشابه القرآن، وعلم إعراب القرآن وغير ذلك.

رابعاً: فوائد علوم القرآن:

لعلوم القرآن فوائد عظيمة، وآثار إيجابية على الفرد والمجتمع معاً، فبفضل هذه العلوم، يستطيع المسلم تدبر القرآن الكريم، وفهم آياته، واستنباط غاياته، ومقاصده وأحكامه، وبدون الاطلاع على علوم القرآن يصعب تكوين فهم كامل وشامل لكتاب الله تعالى، لأننا حينها لا نعرف أسباب النزول، ولا أحكام النسخ، ولا مكامن الإعجاز.
ومن فوائد علوم القرآن كذلك أن التسلح بمعرفتها يساعد في محاججة غير المسلمين، ومجادلتهم بالتي هي أحسن، والدفاع عن القرآن ضد الشبهات التي تثار حوله.
ومن فوائد علوم القرآن أيضاً، أنها بتنوعها وغناها وبما تشتمل عليه من المعارف والفنون اللغوية والكلامية تساهم في تطوير ثقافة المسلم، فتسمو بروحه وتغذي عقله، وتهذب ذوقه، وترقى به في سماء العلم وفضاء المعرفة. فالقرآن الكريم خير كتاب في الكون، والاطلاع على علومه بطريقة أو بأخرى واجب على كل مسلم ومسلمة.

خامساً: أشهر الكتب المؤلّفة في علوم القرآن:
 حرص المسلمون قديماً وحديثاً على التأصيل والتفصيل في علوم القرآن، فأوضحوا تعريف علوم القرآن، وبذلوا جهود عظيمة في مجالاته، فأثمرت هذه الجهود كُتباً قيّمة في علوم القرآن، من أبرزها وأنجعها كتابا البرهان والإتقان الذين تمّت الإشارة إليهما مُسبقاً، وقد ألف ابن الجوزي في علوم القرآن كتاباً أسماه: “فنون الأفنان في علوم القرآن” وغيره من المؤلفات، أما البلقيني فقد حمل كتابه اسم “مواقع العلوم من مواقع النجوم” ولم يكن علماء العصر الحديث بمنأى عن التأليف في هذا المجال؛ فقد ألّفوا الكثير من الككتب فيما يأتي أبرزها:
1 – التبيان في علوم القرآن: تأليف لشيخ طاهر الجزائري.
2 – منهج الفرقان في علوم القرآن: تأليف الشيخ محمد علي سلامة.
3 – مناهل العرفان في علوم القرآن: تأليف الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني.
4 – مباحث في علوم القرآن: تأليف الدكتور صبحي الصالح.
5 – مباحث في علوم القرآن: تأليف الأستاذ منّاع القطان.